تحقيقات

هل يلغي النظام اتهامه لقطر بالتآمر على البحرين ويفرج عن الشيخ علي سلمان؟

نغم فيتروني

في ظل اتجاه المنامة نحو إصلاح علاقاتها مع الدوحة، تثار تساؤلات عمّا إذا كانت البحرين ستلغي تهمة التآمر الموجّهة للحكومة القطرية، وبالتالي يتم الإفراج عن الأمين العام للوفاق الشيخ علي سلمان، الذي يواجه تهمة سياسية يقضي على إثرها حكماً بالمؤبد.

 

هل يلغي النظام اتهامه لقطر بالتآمر على البحرين ويفرج عن الشيخ علي سلمان؟

في الثامن والعشرين من ديسمبر/ كانون الثاني الماضي، طوى أمين عام جمعية الوفاق الوطني الإسلامية الشيخ علي سلمان عامه السابع خلف القضبان، عدّة أحكام يقضيها الرجل المعروف “بمانديلا البحرين” في سجن جو المركزي بسبب تهم سياسية متعدّدة، لكنّ أكبرها تلك المتعلّقة بتهمة “التخابر مع قطر وتسليم أسرار دفاعية”، والتي كالها النظام لسماحته في العام 2017 ووصل حكمها حدّ المؤبّد.

اختيار هذه التهمة لم يكن اعتباطياً حينها، فالنظام أراد من خلالها “قتل أكثر من عصفور بحجر واحد”، فمن جهة، سيكون قد قدّم المزيد من أوراق تبعيّته للسعودية التي قادت حصار قطر، ومن جهة أخرى، يكون قد غيّب الزعيم السياسي المعارض، المصرّ على انتزاع الحقوق عن المشهد العام في البلاد. ولكن، مع تباشير عودة العلاقة بين الدوحة والمنامة إلى سابق عهدها، وانطلاق قطار التصالح بعد أكثر من عام من التأخر أسوة بدول الحصار الأخرى، أسئلة مشروعة تطرح اليوم: ما الذي سيتغّير بعد عودة العلاقات رسمياً على الصعيد السياسي الداخلي في البحرين؟ وماذا عن قضية التخابر الموجّهة للشيخ علي سلمان تحديداً؟ هل سيتم العدول عنها رسمياً أم أنّ في البال السياسي للنظام مسارات أخرى؟

انعطافة رسمية نحو الدوحة بعد تأخير

توحُّشٌ في العداء أبداه النظام في البحرين منذ الأيام الأولى لفرض الحصار على قطر في العام 2017، وجيّر من أجل ذلك كافة أذرعه السياسية والإعلامية، ولكن بعد سنوات، انقلب السحر على الساحر، وبات هذا النظام هو المعزول عن محيطه الخليجي، مع إصراره على التغريد خارج سرب قمة العلا، الأمر الذي جعله يفوّت فرصة كبرى لا يبدو أنها ستتكرر قريباً، تمثّلت بمونديال قطر، لتأتي اليوم الصحوة المتأخرة، التي بدأت في قمة أبو ظبي المصغّرة بحثاً لترتيب البيت الخليجي، وما لحقها من اتصال لرئيس الوزراء ولي العهد سلمان بن حمد بأمير قطر تميم آل ثاني، ثمّ تشديد ملك البحرين حمد بن عيسى خلال ترؤسه لجلسة مجلس الوزراء على ضرورة حلّ المسائل العالقة بين البلدين وضمان تنفيذ بنود اتفاق العلا، وصولاً إلى الإجتماع الأخير الذي جمع وزيريّ خارجية الدولتين قبل أيام في الرياض.

غير أن كل هذا التقارب لا يعدّ ذو جدوى إذا لم يقترن بحلّ القضية العالقة الأبرز المتعلّقة باتهام الحكومة القطرية بالتآمر على النظام، والإفراج عن أمين عام الوفاق الشيخ علي سلمان.

السيد طاهر الموسوي: الحكم على الشيخ علي سلمان حكم ضد قطر

“إدانة الشيخ علي سلمان بتهمة الخيانة جاءت بشكل عَرَضي، فحكومة البحرين أرادت في الأساس إدانة دولة قطر بتهمة التآمر، عبر مكالمة هاتفية يتيمة ومجتزأة، شكلت الورقة الوحيدة لديها”، يقول القيادي في جمعية الوفاق الوطني الإسلامية السيد طاهر الموسوي لموقع قناة اللؤلؤة، معتبراً أن هذه القضيّة تعدّ من أهم الملفات العالقة بين الجانبين، بناءً على عدة اعتبارات دبلوماسية وسياسية وقانونية وأخلاقية، فـ “هذا الاتهام يعكس طبيعة الأزمة القائمة بين البلدين في صناعة وتشكيل بنية الخلاف، فيما أن القضيّة بمجملها ورغم افتقادها لأبسط المعايير القانونية والعدلية والفنية، تم تقييدها كقضية باتة في محاكم البحرين كتهمة على الحكومة القطرية برئيسها ووزير خارجيتها الأسبق حمد بن جاسم من جهة، والأمين العام للوفاق من جهة أخرى، واستنفذت كافة مراحل التقاضي في المحكمة الابتدائية والاستئناف والتمييز”.

صار لزاماً وبشكل أساس العمل على وقف تنفيذ الحكم الصادر في اتهام دولة قطر بالتآمر الذي حكم بموجبه الشيخ علي سلمان، والعمل على الإفراج عنه كمؤشر أساس على حلحلة القضايا
القيادي في الوفاق سيد طاهر الموسوي

ويجزم الموسوي أن تلك المكالمة هي بطبيعة الحال جزء من مبادرة وتحرك خليجي تم في العام 2011،  بمشاركة المملكة العربية السعودية ودولة قطر، وبمتابعة من قبل الخارجية الأمريكية، وفق ما ورد في وثائق رسمية ومراسلات، وأن هدفها كان تقريب وجهات النظر والذهاب في حلحلة للوضع السياسي، كما أنها جاءت بمتابعة مباشرة من الحكومتين البحرينية والسعودية، عبر وزير خارجيتها آنذاك الأمير سعود الفيصل.

وفي وقت تتسارع وتيرة التقارب البحريني القطري بعد طول حصار وخلاف، وفي أعقاب اللقاء الأخير بين ملك البحرين حمد بن عيسى وأمير قطر تميم آل ثاني، وما لحقه بعد ذلك من تطورات وتشديد على ضرورة حلحلة المسائل العالقة، يؤكد السيد طاهر الموسوي أنه “صار لزاماً وبشكل أساس العمل على وقف تنفيذ الحكم الصادر في اتهام دولة قطر بالتآمر الذي حُكم بموجبه الشيخ علي سلمان، والعمل على الإفراج عنه كعنوان ومؤشر أساس على حلحلة القضايا والملفات التي تعكس استمرار الأزمة، وأنه من الضروري على الوفود البحرينية والقطرية التي تعمل على معالجة الملف، أن لا تغفل ملف اعتقال الشيخ علي سلمان باعتباره الملف الأهم الذي يشكل مرتكزاً مهماً في حلحلة القضايا العالقة من جهة، وعدالة القضاء ومسار الأزمة في البحرين من جهة أخرى.

مصالحة الضرورة السياسية

وبينما يسوّق الجانب الرسمي البحريني لمسار إيجابي حتى اللحظة في منحى العلاقات مع الدوحة، من أجل طيّ صفحة الخلاف، والذي تعكسه الهَدْأة النوعية في الإعلام المحلي وغياب نبرة التأزيم، لا يبدو أن ثمّة إيضاحات فعلية عن ماهيّة الملفات العالقة بين البلدين وآليات حلّها، وهذا ما استغربه أستاذ العلوم السياسية بجامعة قطر الدكتور علي الهيل في تصريحه لموقع اللؤلؤة، قائلاً إنه كان من المفترض أن لا يكون هناك أي مسائل عالقة ما بعد قمة العلا التي انعقدت في يناير 2021، واصفاً توجّه البحرين اليوم نحو التصالح مع الدوحة بـ “مصالحة الضرورة السياسية” والتي ليس بالضرورة أن تكون مطلقة.

متأكد من أن قطر ستدعو الحكومة البحرينية إلى ضرورة الإنفتاح على قضية الشيخ أمين عام الوفاق وأنا متفائل جداً فالوضع الحالي للخليج لا يحتمل الإختلافات أو الارتباكاتالأستاذ بجامعة قطر د. علي الهيل

وعن تهمة تآمر قطر على البحرين والحكم المؤبد الذي يواجهه أمين عام الوفاق الشيخ علي سلمان، يجزم الهيل أن رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني، والذي لم يعد اليوم موجوداً في السلطة، تدخّل لحل الأزمة البحرينية في العام 2011 من أجل حقن دماء الشعب البحريني واسترداد الوئام الأهلي بين البحرينيين، غير أن الجانب الرسمي كانت له نظرة مختلفة واتهم الشيخ علي سلمان بالتخابر مع دولة قطر.

وإذ يشير الهيل إلى أن الظروف تغيّرت، يؤكد أن دول الخليج اليوم تحاول مجتمعة الحفاظ على وحدة مجلس التعاون، والدوحة حريصة جداً على إرساء الحوار، لذلك، “أنا متأكد أن دولة قطر ستدعو الحكومة البحرينية إلى ضرورة الإنفتاح على قضية أمين عام الوفاق وأنا متفائل جداً في هذا الصدد، فالوضع الحالي للخليج لا يحتمل وجود أي إختلافات أو ارتباكات خصوصاً في البحرين”.

اقتباس لمنهج السعودية بعد المصالحة مع الدوحة؟

هذا التفاؤل الذي يبديه الدكتور علي الهيل، يتناقض مع موقف أحد أساتذة العلوم السياسية في الدوحة، والذي رفض الكشف عن اسمه، في حديثه لموقع قناة اللؤلؤة، الذي اعتبر أن ما يجري حالياً ينبئ عن مصالحة سياسية بين الصف الرسمي الأول فقط، ولن تشمل الشيخ علي سلمان، ويقول: “هناك سعوديين تم اعتقالهم بسبب مواقفهم الإيجابية من قطر إبّان الحصار، مثل الداعية سلمان العودة، فهل تم الإفراج عنهم في أعقاب المصالحة بين الرياض والدوحة؟”.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى نجل الداعية السعودي الذي كان قد كشف عن التغريدة التي أدت إلى اعتقال والده، قال فيها بعد أيام من إعلان حصار قطر: “اللهم ألف بين قلوبهم لما فيه خير شعوبهم”، تم تجييرها على أنها تمرّد على أوامر ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

الشيخ علي سلمان.. رهينة لدى النظام

أمام كل هذه المشهدية، تبرز إلى الواجهة اليوم التساؤلات التي أطلقها زعيم المعارضة الشيخ علي سلمان في بيان أصدره من سجن جو في الـ 27 من ديسمبر/ كانون الثاني الماضي: ” هل كان يجوز لي أن أرفض استقبال هذا الاتصال؟ وماذا لو رفضت ذلك؟ سيعتبر الجميع بأن هذا تعنتٌ ورفض للحوار، بل ورفض لمساعي مجلس التعاون، ورفضٌ للحل السلمي وللتفاهم والتوافق”.

تساؤلات يطلقها رجل السلمية والإصلاح الأول في البحرين، الذي تعرّض إلى حملة تخوين قبيل أيام فقط من إصدار الحكم المؤبّد بحقه، مع رصد منتدى البحرين لحقوق الإنسان 157 مادة تحرّض على الكراهية ضد سماحته، من حسابات محسوبة على السلطة في مواقع التواصل الاجتماعي، الحراك التحريضي اعتبره متابعون أنه كان مدبّراً من الجانب الرسمي، بهدف خلق هالة سوداء حول اسم زعيم المعارضة، وبالتالي تهيئة الرأي العام لتقبّل -بل وتبرير- الحكم المسيّس، غير أن كلّ ذلك اصطدم بالموقف الشعبي الواحد الذي جزم أن الشيخ رهينة لدى النظام بسبب مواقفه السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى