الشهداء يبنون جسورهم إلى الله بِسياج متين

الشهيد عباس قلّما يُخبرني بتفاصيل ما يمر به، فكنت أسمع الكثير من الأحاديث من أصحاب السجن الذين عاشروا الشهيد لآخر لحظة قبل إخراجهُ للإعدام، كانت تمر عليهُ لحظات قاسية جدًا، يُعذَّب عذاب التشفي، خصوصًا بعد إخراجه فيديوهات البراءة من دم الشحي، فكانت هذه اللحظات الصعبة التي يُنكّل بهِ ويُعذَّب، يُناجي الله بحق الإمام المُعذّب في قعر السجون، وما كان يردهُ خائب، وحدثت لهُ الكثير من الكرامات التي تشرَّفَ بها من هذا الامام العظيم، وكانت آثارها تنعكس على الواقع، فتتغيّر معاملة السجانين معه بشكل ملحوظ.
كان الشهيد جميل المبسم والمُحيّا عباس السميع، لهُ تعلّق خاص بالإمام موسى الكاظم عليه السلام، يتأسى به في كل شيء، حتى في طوامير السجن.
إحدى الكرامات الغريبة والعجيبة جدًا، هي التي حدثت لهُ بعد أحداث جو المعروفة، تم نقلهُ إلى مبنى المغضوب عليهم ومن يتفننون في أساليب تعذيبهم، في غرفة مُظلمة، ضيقة جدًا، تكاد أنفاسهُ تختنق فيها، وكان مُرهق جدًا بسبب التعذيب والوحدة المُرة التي يتجرعها ظُلمًا وعدوانا، رأى رؤية وكأنَّ أرضية الزنزانة فُتحَ فيها باب ذو سُلم بأدراج لا تُعد ولا تُحصى، فأخذهُ الخوف منها، ولكنهُ نزل على تلك الأدراج التي لا نهاية لها، وكلما إزداد نزولهُ عمقًا، كلما إزداد النور الذي يعكس ظل شخص كان يمشي معه، ويؤنس وحشته، رويدًا رويدا هدأ روعه وخوفه عند رؤية هذا الظل الذي كان بمثابة حامي له، وصل لآخر حد، وجدَ رجل نوراني مهيب، منحني الظهر، وكان في حالة يُرثى لها، مُقيّد بالسلاسل من قمة رأسه حتى أخمص قدميه، بالضبط كالسلاسل المُقيّدة لجسده، فانفجع لرؤية منظر هذا الرجل العظيم الذي لا تُرى ملامحه لشدة النور، فسأل الرجل ذو الظل الذي نزل معهُ في هذا المكان المُظلم الأشبه بِطامورة في سرداب عميق عن هذا الرجل من يكون، ولماذا هو بهذه الحالة المؤلمة التي لا كلمات توصفها؟!
فقال له: هذا الرجل هو الذي تنتخي بهِ أنت دائمًا كلما ضاق بكَ الحال، أو عرضَ لك بلاء أثقل كاهلك، هذا الرجل المتمسك بهِ أنت حتى هذه اللحظة، في الضائقة التي تمر بها، هذا هو الامام موسى الكاظم عليه السلام.
فقشعر بدنه، وتألم كثيرًا للحال الذي رأى فيهِ الإمام، وكان يُكرر كلمة بأنَّ ما نعيشهُ نحن من عذاب وتعذيب وتنكيل في هذه السجون، لا شيء تحت ما يُعانونهُ الأئمة الأطهار، فهذا المكان كانت الطامورة التي سُجِنَ فيها الإمام، وكأنمّا الله يُريد أن يُهوّن عليه ما هو فيه بمأساة الإمام المتمسك بهِ.
ثمَّ سمع كلام إما من الامام أو من الرجل الذي كان معه، يُخبرهُ بأنَّ حالهُ سيتغير، وسيكون في حفظ هذا الإمام، لن يعترض طريقهُ أحد بعد هذه اللحظة، ورجال الأمن ستتغير معاملتهم معه، وسيكونون تحت أمره.
شهداء اختارهم الله بِعناية، لعلمه بأنَّهم على قدر من التحمل للإبتلاء الصعب الذي سيتعرضون له حتى يصلون لمقام الشهادة في سبيل الله
يقول الشهيد؛ بأنَّهُ أفاق في اليوم التالي بِشعور مختلف، يشعر براحة غاب عنها كل التعب والألم والضيق الذي كان عليهِ حينما نقلوهُ في ظلام الليل في هذا العزل الموحش، وفعلًا تغيّرت معاملة رجال الأمن، كانوا يترددون عليه في عزله للإطمئنان عليه، وسؤاله ما إذا كان يحتاج شيء يقضونهُ له، وكانوا يفتحون لهُ الأبواب ويخرج من عزله إلى المباني والزنازين الأخرى، ويتسامر مع المعتقلين ثم يعود إلى مكانه، حتى ثار هذا الأمر إستغراب أصحابهُ الذين كانوا معهُ في مبنى العزل للمحكوم عليهم بالإعدام.
أهناك أوثق من هذا؟! شهداء اختارهم الله بِعناية، لعلمه بأنَّهم على قدر من التحمل للإبتلاء الصعب الذي سيتعرضون له حتى يصلون لمقام الشهادة في سبيل الله، فرحم الله شهدينا الغالي المؤمن المتواضع الزاهد العابد المجاهد والمحتسب.


